بين
برنهارد و فرانكل
توماس برنهارد صاحب تجربة إنسانية عميقة,ومعارف
غنية ,تستطيع إلهامنا فن الحياة,و تحفزنا في أحيان
كثيرة ,على الظفر بقيود جمة,و عشق كتاباته يمنحنا
باستمرار لذة و جمالا متجددين.
فهو الكاتب الذي بمستطاعه إثارة المعارك الساخنة,
و النقاشات العاصفة ,و الضغائن أيضا,و الخجل دائما.
أما فيكتور فرانكل, فكان معتقلا في أحد معسكرات
النازية,أثناء الحرب العالمية الثانية ,و اكتشف في
مرحلة اعتقاله,أن بداخله طاقة ترفعه فوق ظروف
القهر و السجن,و كان إضافة إلى كونه معتقلا,
يقوم بمراقبة ما يدور داخل المعسكر .
و أخذ هذا العالم يسأل نفسه ,سؤالا مهما:
ما الذي جعل بعض الناس يصمدون أثناء هذه
التجربة المريرة و ينجون بينما سحقت الأغلبية ؟
و بحثا عن الإجابة بدأ فرانكل, يدرس المعتقلين
المتواجدين معه, في ضوء عدة عوامل شخصية
منها:
*الصحة الحيوية.
*هيكل الأسرة.
*الذكاء.
*أساليب البقاء.
و قد خلص فرانكل إلى أن ,كل هذه الأسباب لم
تكن هي السبب الرئيسي ,بل كان السبب الرئيسي
الذي اكتشفه, داخل الناجين من هذه المأساة ,هو
وجود الإحساس بالرؤية المستقبلية .
إذ سيطر على كل من نجح في البقاء يقينا,بأن له
مهمة في الحياة ,يجب استكمالها, و أن لهم مهام
حيوية مازالوا في حاجة إلى الإنتهاء منها.
و احتفالا بمرور مائة عام , على تأسيس مسرح
burgtheatre في فيينا, تم تقديم مسرحية لبرنهارد
عام 1988 ,و تعتبر من أشهر آثاره و أكثرها صدامية,
فأصداء ضجتها تجاوزت حدود النمسا,بعد أن أضحت
و لسنوات فضيحة كبرى_أرقت كثيرا توماس برنهارد_
إذ وصل الأمر إلى حد البصاق عليه في الشارع ,
و تهديده بالعقاب,كما فعل السياسي اليميني
"يورغ هايدر",بعد أن اعتبر خائنا للبلاد.
و قد عدها رئيس النمسا آنذلك,"كورت فالدهايم"
إهانة كبيرة للشعب النمساوي.
و قال عنها مخرجها الألماني "كلاوس بايمان":
في برنامج تلفزيوني,إنها مسرحية صادمة جعلت
البلد كله يحبس أنفاسه.
و جدير بالإشارة, إلى أن عنوان المسرحية
"ساحة الأبطال" هو إسم الساحة الفييناوية
الشهيرة ,التي أعلن فيها هتلر,في تجمع شعبي
هائل,في الخامس عشر من مارس1938
ضم النمسا إلى ألمانيا,و أغلب أحداث المسرحية
تدور في المكان نفسه.
و اللافت أن المسرحية ,التي أحدثت عاصفة
كبيرة من الرفض و الإدانة,لم يسبق لها مثيل
في تاريخ النمسا ,قد كتبت بلغة شعرية متقنة
و شفيفة ,و شديدة الصفاء أيضا.
و قد اعتمد فيها برنهارد, أسلوبه الشعري الموسيقي,
الذي سار خصيصة أسلوبية برنهاردية ,تقوم على
التكرار الفني و جمالية الإلحاح و المبالغة .
و توماس برنهارد ,انصرف منذ بداية مسيرته الأدبية
إلى النبش في الزوايا المعتمة , لتاريخه الذاتي ,
و تاريخ مدينته و بلاده ,مساءلة و تفكيكا فنيا,
لذلك تطالعنا العديد من أعماله, السردية المسرحية
نصوصا طافحة ,بصور الذات ,والتاريخ, و الخيال .
كما تنفتح هذه النصوص,في احتفاءها بالمحلي على
أسئلة الكوني و الإنساني.
و ظل فيكتور فرانكل ,يؤكد بأن التجربة الصعبة ,أو
الوقوع في الخطأ,و إن كان جسيما,لا يؤدي بالضرورة
إلى تغيير المسار ,و العثرة لا تصلح المشي ,بل قد
تدفع بالمزيد من العثرات .
و أن معظم الناس ,يبقون على ما هم عليه ,فيما
يتعلق بشخصيتهم ,و الجبناء الأنانيون,لا يتحولون
إلى شجعان كرماء.
فعند فرانكل,الإنسان الذي يستطيع أن يجيب على
التساؤل:
*لماذا أعيش؟
*من أجل ماذا أحيا؟
يستطيع أن يتوافق مع ذاته,و مع البيئة التي يعيش
فيها,يقول فرانكل:
=إن الشيء الذي لا يقتلني يزيدني قوة=
و يدخل هذا في إطار ,أسلوب العلاج الوجودي
في علم النفس ,و الذي قدم فيه الدكتور
فيكتور فرانكل, أعمالا كثيرة .
و سئلت ذات مرة,امرأة فييناوية مثقفة,عن برنهارد
فأجابت, وهي مرتبكة و علا فجأة ,وجهها احمرار
كبير,أنها لا تحبه و لا تتحمله ,ثم انسلت هاربة
كأرنب مذعور.
و تنبع ريبة و كراهية العديد , من النمساويين لبرنهارد
و خاصة اليمينيين و المحافظين ,من كون الرجل
قد ذهب بعيدا,و على نحو جذري و صادم ,كما لم
يفعل أي كاتب نمساوي من قبله,في تعرية مساوئ
مجتمعه,و في إدانة تاريخه و حاضره و تناقضاته,
و في كشف قبح سلطاته,و برنهارد يردد كثيرا , و في
نصوص عديدة ,فكرة مفادها ,أن المجتمع النمساوي
و إن تخطى زمنيا ,فترة النازية ,لم يتغلب بعد على
ذهنيتها, الثقافية و السياسية,التي لا تزال حاضرة
المزيد
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ